المرأة في المغرب.. أرقام تكشف الفجوة بين المكاسب وتحديات الواقع

المرأة في المغرب.. أرقام تكشف الفجوة بين المكاسب وتحديات الواقع
فعاليات نسائية بشأن حقوق المرأة في المغرب

في سياق النقاش الوطني المتجدد حول مراجعة مدونة الأسرة في المغرب، يتصاعد الجدل بشأن سبل تحقيق التوازن بين المرجعيات الدستورية والحقوقية والتحولات الاجتماعية المتسارعة، مقابل استمرار التأويلات الدينية المختلفة التي تؤثر في صياغة السياسات المرتبطة بالأسرة وحقوق النساء، ويأتي هذا النقاش في لحظة توصف بـ"المخاض المجتمعي"، تعكس تحولات عميقة في بنية المجتمع المغربي ودور النساء في الفضاء العام.

وتكتسب هذه الدينامية زخماً إضافياً مع تزايد المبادرات المدنية والمؤسساتية، ومنها الندوة التي نظمتها جمعية التحدي للمساواة والمواطنة تحت عنوان "التفاعل الديني والمؤسساتي والمدني في مواجهة العنف ضد النساء"، يوم أمس الجمعة في الدار البيضاء، والتي أعادت طرح إشكالية التنسيق بين الفاعلين الدينيين والحقوقيين والمؤسسات الرسمية، في ظل الحاجة إلى مقاربة شمولية تتجاوز حدود التشريع نحو التوعية والدعم والحماية.

وفي ظل هذا الحراك يبرز سؤال جوهري يتعلق بمدى قدرة الإصلاحات القانونية، ومنها مدونة الأسرة، على الاستجابة للتحولات المجتمعية وضمان حماية فعلية للنساء، خاصة مع استمرار الفجوة بين النصوص والتطبيق، وهو ما يجعل ملف حقوق المرأة في المغرب محوراً مركزياً للنقاش العمومي والتقييم الحقوقي.

شهدت أوضاع النساء في المغرب خلال السنوات الأخيرة تطورات ملحوظة على المستوى التشريعي والمؤسساتي، إلا أن التحديات الاجتماعية والاقتصادية لا تزال تلقي بظلالها على واقع الحقوق والمساواة، ففي الوقت الذي تسعى فيه الدولة إلى تعزيز تمكين النساء وتحقيق المساواة، تكشف المؤشرات الرسمية والدولية عن فجوات واضحة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي على الأرض.

في هذا السياق، تشير بيانات المندوبية السامية للتخطيط في المغرب إلى أن معدل مشاركة النساء في سوق العمل لا يزال منخفضاً، حيث لم يتجاوز 20.4 بالمئة سنة 2023، مقابل أكثر من 70 بالمئة لدى الرجال، ما يعكس اختلالاً هيكلياً في توزيع الفرص الاقتصادية بين الجنسين. 

واقع المشاركة الاقتصادية

تعاني المرأة المغربية من ضعف واضح في الاندماج الاقتصادي، رغم ارتفاع مستويات التعليم مقارنة بالعقود السابقة، وتفيد تقارير البنك الدولي بأن المغرب يسجل واحداً من أدنى معدلات مشاركة النساء اقتصادياً في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، حيث تعوق عوامل اجتماعية وثقافية وصول النساء إلى سوق العمل، إلى جانب محدودية فرص الشغل اللائق وفق بيانات البنك الدولي. 

كما أن نسبة البطالة في صفوف النساء تبقى أعلى منها في صفوف الرجال، خصوصاً في المناطق الحضرية، حيث بلغت حوالي 17 بالمئة مقابل 11 بالمئة لدى الرجال، وفقاً لبيانات رسمية حديثة، ما يعكس هشاشة كبرى في وضع النساء داخل سوق العمل بحسب المندوبية السامية للتخطيط.

تتضح التفاوتات بشكل أكبر عند النظر إلى الفوارق المجالية، حيث تعاني النساء في المناطق القروية من أوضاع أكثر صعوبة، تشمل ارتفاع نسب الأمية وضعف الولوج إلى الخدمات الصحية وفرص العمل.

التعليم بين التحسن والتفاوت

شهد قطاع التعليم تحسناً ملحوظاً في نسب دراسة الفتيات، حيث ارتفعت نسبة الدارسات في التعليم الابتدائي إلى أكثر من 99 بالمئة، غير أن الفجوة لا تزال قائمة في المناطق القروية، خاصة في التعليم الثانوي، حيث تتراجع نسب الاستمرار في الدراسة بسبب الفقر والزواج المبكر وبُعد المؤسسات التعليمية، وفق وزارة التربية الوطنية المغربية.

وتؤكد منظمة اليونسكو أن معدل الأمية لدى النساء في المغرب لا يزال مرتفعاً مقارنة بالرجال، حيث يناهز 42 بالمئة في بعض الفئات العمرية، ما يعكس استمرار التفاوت في فرص التعلم عبر الأجيال. 

العنف ضد النساء أرقام مقلقة

رغم اعتماد قانون 103.13 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء، لا تزال الظاهرة منتشرة بشكل واسع، فقد أظهرت دراسة وطنية أن أكثر من 57 بالمئة من النساء المغربيات تعرضن لشكل من أشكال العنف، سواء الجسدي أو النفسي أو الاقتصادي.

وتشير تقارير هيئة الأمم المتحدة للمرأة إلى أن نسبة التبليغ عن حالات العنف تبقى ضعيفة، بسبب الخوف من الوصم الاجتماعي أو غياب الثقة في آليات الحماية، ما يجعل الأرقام الفعلية مرشحة للارتفاع. 

الإطار القانوني بين الطموح والتحدي

وفق بيانات وزارة العدل يعد المغرب من الدول التي شهدت إصلاحات قانونية مهمة في مجال حقوق النساء، خاصة بعد تعديل مدونة الأسرة سنة 2004 التي منحت المرأة حقوقاً أوسع في الزواج والطلاق والحضانة، كما نص دستور 2011 على مبدأ المساواة بين الجنسين وحظر التمييز. 

ورغم ذلك، ترى منظمات حقوقية أن التطبيق العملي لهذه القوانين لا يزال يواجه عراقيل وتحديات، خصوصاً فيما يتعلق بزواج القاصرات، حيث يتم تسجيل آلاف الحالات سنوياً عبر استثناءات قضائية، ما يثير جدلاً واسعاً حول فعالية الإصلاحات القانونية، بحسب منظمة هيومن رايتس ووتش.

التمثيل السياسي للنساء

شهدت مشاركة النساء في الحياة السياسية تحسناً تدريجياً، حيث بلغت نسبة تمثيل النساء في البرلمان حوالي 24 بالمئة بعد انتخابات 2021، وهي نسبة مرتفعة مقارنة بالعقود الماضية لكنها لا تزال دون مستوى المناصفة المنصوص عليه دستورياً وفق بيانات البرلمان المغربي، كما تم اعتماد نظام الكوطا لتعزيز حضور النساء في المؤسسات المنتخبة، غير أن هذا التمثيل يظل في كثير من الأحيان شكلياً دون انعكاس حقيقي على مراكز صنع القرار.

الصحة والحقوق الإنجابية

تواجه النساء في المغرب تحديات في الوصول إلى خدمات صحية متكافئة، خاصة في المناطق القروية، حيث تعاني البنية التحتية الصحية من نقص حاد، وتشير بيانات منظمة الصحة العالمية إلى أن معدل وفيات الأمهات انخفض إلى حوالي 72 حالة لكل 100 ألف ولادة حية، لكنه لا يزال مرتفعاً مقارنة بالمعايير الدولية بحسب منظمة الصحة العالمية.

كما تظل قضايا الصحة الإنجابية، ومنها الإجهاض، من الملفات الحساسة التي تثير جدلاً مجتمعياً وقانونياً، حيث لا يزال الإجهاض مقيداً بشروط صارمة، ما يدفع بعض النساء إلى اللجوء لطرق غير آمنة.

وتعاني النساء في المناطق القروية من أوضاع أكثر هشاشة، حيث ترتفع نسب الفقر والأمية، وتقل فرص العمل والخدمات الأساسية، وتفيد تقارير رسمية من المندوبية السامية للتخطيط بأن نسبة كبيرة من النساء القرويات يعملن في القطاع غير المهيكل دون حماية اجتماعية أو تغطية صحية. 

كما تتحمل النساء في هذه المناطق أعباءً مضاعفة، تشمل العمل الزراعي والأعمال المنزلية، ما يحد من فرصهن في التعليم أو الاندماج الاقتصادي.

دور المجتمع المدني

يلعب المجتمع المدني دوراً مهماً في الدفاع عن حقوق النساء في المغرب، من خلال الترافع والتوعية وتقديم الدعم للضحايا، وقد أسهمت الجمعيات النسائية في الدفع نحو إصلاحات قانونية مهمة، فضلا عن تعزيز النقاش العمومي حول قضايا المساواة والعنف والتمكين الاقتصادي.

ومع ذلك تواجه هذه المنظمات تحديات تتعلق بالتمويل والاستدامة، إضافة إلى صعوبة الوصول إلى بعض الفئات الهشة.

انتقادات حقوقية

تتزايد الانتقادات الحقوقية لأوضاع النساء في المغرب، رغم ما تحقق من إصلاحات قانونية خلال السنوات الأخيرة، حيث تشير تقارير دولية ومحلية إلى استمرار فجوة واضحة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي على الأرض، خاصة فيما يتعلق بالحماية من العنف والمساواة الاقتصادية والسياسية.

تؤكد منظمة هيومن رايتس ووتش أن الإطار القانوني المغربي، رغم تقدمه النسبي، لا يزال يعاني من ثغرات تؤثر في حماية النساء، خصوصاً فيما يتعلق بقانون محاربة العنف ضد النساء الذي دخل حيز التنفيذ بعد سنوات من النقاش، وترى المنظمة أن هذا القانون يمثل خطوة إيجابية، لكنه غير كافٍ بسبب محدودية آليات التنفيذ وعدم شموليته لبعض أشكال العنف، مثل العنف الزوجي الذي يصعب إثباته قانونياً، إضافة إلى ضعف حماية الضحايا داخل المنظومة القضائية.

وفي السياق ذاته، تشير نقاشات تعديل مدونة الأسرة إلى استمرار الجدل الحقوقي حول عدم تحقيق المساواة الكاملة، حيث اعتبرت منظمات نسائية أن الإصلاحات المقترحة لا تزال محدودة ولا تعالج قضايا جوهرية مثل الولاية القانونية على الأطفال والمساواة في الحقوق داخل الأسرة، كما ترى هذه المنظمات أن التعديلات لا ترقى إلى مستوى التحولات الاجتماعية التي يعرفها المغرب، وتبقي على بعض أشكال التمييز البنيوي ضد النساء.

كما تسلط تقارير حقوقية الضوء على تأثير القيود العامة في الحريات بالمغرب على النساء بشكل خاص، خاصة الناشطات والمدافعات عن حقوق الإنسان، فقد رصد تقرير حديث استمرار التضييق على حرية التعبير والاحتجاج، وهو ما ينعكس سلباً على قدرة النساء على التنظيم والمطالبة بحقوقهن، في ظل بيئة سياسية توصف بأنها غير مواتية للنشاط المدني المستقل بحسب ما ذكرته شبكة "صوت المغرب".

وتذهب بعض الانتقادات إلى أبعد من ذلك، معتبرة أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في القوانين، بل في البنية الاجتماعية والثقافية التي تعوق تحقيق المساواة، حيث لا تزال الصور النمطية حول أدوار النساء في المجتمع تؤثر على فرصهن في العمل والمشاركة السياسية. كما تشير تقارير إلى أن النساء في المناطق القروية يواجهن أوضاعاً أكثر هشاشة، سواء من حيث الوصول إلى التعليم أو الخدمات الصحية أو فرص العمل.

في المقابل، ترفض السلطات المغربية في بعض الأحيان هذه الانتقادات، معتبرة أن بعض التقارير الدولية تفتقر إلى الموضوعية أو لا تعكس الجهود المبذولة في مجال حقوق الإنسان، وقد أكدت جهات رسمية استعدادها للتفاعل مع المنظمات الحقوقية، لكنها شددت في الوقت نفسه على ضرورة احترام المعايير المهنية والحياد في تقييم الوضع الحقوقي في البلاد، وفق المندوبية الوزارية الحكومية المكلفة بحقوق الإنسان.

وبين هذه المواقف المتباينة، يبقى واقع النساء في المغرب محكوماً بتوازن دقيق بين إصلاحات قانونية متقدمة نسبياً من جهة، وتحديات اجتماعية واقتصادية وثقافية مستمرة من جهة أخرى، وهو ما يجعل ملف حقوق المرأة في صلب النقاش العام، خاصة في ظل التحولات السياسية والاجتماعية التي تعرفها البلاد.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية